ليت الشباب يعود يوما
فن وابداع
28 يوليو, 2026
الوقت لا يعود أبداً... واليوم هو يومك
نحن الجيل الذي عاش بين عالمين؛ وُلدنا في عالم تناظري ، وعشنا شبابنا وكهولتنا في عالم رقمي . عبرنا سبعة عقود مختلفة، وعشنا في قرنين وألفيتين، وشهدنا من التحولات ما لم يشهده أي جيل آخر.
كبرنا في زمن كانت فيه العلاقات الإنسانية أغلى من الأشياء، وكانت القيم تُغرس في البيوت والمدارس والطرقات. مشينا إلى مدارسنا ذهاباً وإياباً تحت حرارة الصيف وبرد الشتاء ومطره، وحملنا حقائبنا دون شكوى. حفظنا الدروس من أول صفحة إلى آخرها، ونجحنا دون دروس خصوصية أو وسائل مساعدة حديثة. كنا نكتب العقوبة عشر مرات، ونحل المسائل على السبورة أمام زملائنا، ونتعلم من أخطائنا دون أن تنهار نفوسنا أو تتزعزع ثقتنا بأنفسنا.
أتذكرون ذلك الشعور الجميل عندما كان المعلم يطلب منك أن توصل الطباشير أو الأوراق إلى القسم المجاور؟ كنت تدخل ذلك القسم وكأنك مبعوث الأمم المتحدة، يملؤك الفخر والمسؤولية!
نحن جيل لم يعرف الهواتف المحمولة في المدارس، ولم يكن آباؤنا يكتبون لنا واجباتنا المدرسية أو يراجعون معنا كل صغيرة وكبيرة، ومع ذلك تعلمنا الاعتماد على أنفسنا وتحمل المسؤولية.
عشنا أجمل سنوات العمر في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات. تزوجنا، وعملنا، وسافرنا، وخضنا المغامرات، ثم استقررنا وأصبحنا أكثر حكمة مع مرور السنين.
شهدنا أعظم ثورة تكنولوجية عرفها الإنسان؛ انتقلنا من الهواتف الثابتة التي تمر عبر موظف التحويل إلى مكالمات الفيديو مع أي إنسان في أي مكان من العالم. انتقلنا من الرسائل المكتوبة بخط اليد إلى البريد الإلكتروني وواتساب، ومن أسطوانات الفينيل وأشرطة الكاسيت إلى الموسيقى الرقمية، ومن الصور الورقية إلى يوتيوب ومنصات البث الحديثة.
تابعنا المباريات عبر الراديو، ثم التلفزيون الأبيض والأسود، ثم التلفزيون الملون، وصولاً إلى الشاشات الذكية فائقة الدقة. استأجرنا أشرطة الفيديو من المحلات، وأصبحنا اليوم نشاهد آلاف الأفلام بضغطة زر.
عرفنا بدايات أجهزة الحاسوب والبطاقات المثقبة والأقراص المرنة، وأصبحنا اليوم نحمل في هواتفنا الذكية مكتبات كاملة من المعلومات والصور والذكريات.
ركبنا الدراجات ثلاثية العجلات والهوائية والدراجات النارية والسيارات العاملة بالبنزين والديزل، وها نحن اليوم نقود السيارات الهجينة والكهربائية. ونجونا من أمراض وأوبئة كثيرة، من شلل الأطفال والتهاب السحايا والسل، إلى إنفلونزا الخنازير وجائحة كوفيد-19.
لكن ما يميز جيلنا حقاً ليس ما رآه من تطور تقني، بل ما تربى عليه من قيم. كنا نقف للكبار في الحافلات احتراماً لهم، ونرفع فتات الخبز من الأرض فنقبله ونضعه على جباهنا تقديراً للنعمة. كنا نحترم الوالدين والمعلم والجار ورجل الأمن، ونتقاسم الطعام والأسرار مع الأصدقاء.
عشنا طفولة آمنة؛ لعبنا في الأزقة، ونمنا في أفنية المنازل عندما تنقطع الكهرباء، نتسامر ونضحك ونعد النجوم حتى يغلبنا النعاس. تربينا على المحبة والتسامح والصفح، وكنا ننام وقد نسينا ما بيننا من خلافات صغيرة.
واليوم، وبعد كل هذه الرحلة الطويلة، نتعلم درساً جديداً لا يقل أهمية عن كل ما سبق: أن الوقت لا يتوقف.
تنظر إلى الساعة فتجدها السادسة مساءً، وتنظر مرة أخرى فتجد الأسبوع قد مضى، ثم ينتهي الشهر، ثم السنة، وفجأة تكتشف أن خمسين أو ستين أو سبعين سنة قد مرت كلمح البصر. تبحث عن بعض الأصدقاء فلا تجدهم، وتحن إلى أشخاص وأماكن وأيام لن تعود.
لذلك، لا تؤجل ما تحب إلى الغد. لا تؤجل كلمة طيبة، ولا زيارة عزيز، ولا لحظة فرح مع أبنائك وأحفادك وأصدقائك. فالأبناء يكبرون، والسنوات تمضي، وما يبقى في النهاية هو الذكريات الجميلة والأشخاص الذين شاركونا الحياة بمحبة وصدق.*
نحن لسنا مجرد "كبار في السن"، بل نحن جيل صنعته التجارب، وعلمه الزمن كيف يتكيف مع التغيير ويحافظ على إنسانيته رغم كل ما تبدل من حوله.
تحية إجلال واعتزاز لكل أبناء هذا الجيل الجميل... جيل عاش البساطة، وأدرك قيمة الزمن، وتعلم أن أجمل ما في الحياة ليس ما نملكه، بل ما عشناه وما تركناه من أثر طيب في قلوب من أحببنا.
فالوقت لا يعود أبداً... واليوم هو يومك، ولم نعد في عمر التأجيل.
— à Rabat.